ابن قيم الجوزية
84
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
عهده ووصيته إلى عباده - على تقريبه لك . تشاهد ذلك ليكون أقوى في المحبة والشكر ، وبذل النصيحة في العبودية . وهذا كله من تمام البصيرة . فمن لا بصيرة له فهو بمعزل عن هذا . قال « الدرجة الثالثة : بصيرة تفجّر المعرفة ، وتثبت الإشارة وتنبت الفراسة » . يريد بالبصيرة في الكشف والعيان : أن تتفجر بها ينابيع المعارف من القلب ، ولم يقل « تفجّر العلم » لأن المعرفة أخص من العلم عند القوم . ونسبتها إلى العلم نسبة الروح إلى الجسد . فهي روح العلم ولبّه . وصدق - رحمه اللّه - فإن بهذه البصيرة تتفجر من قلب صاحبها ينابيع من المعارف ، التي لا تنال بكسب ولا دراسة . إن هو إلا فهم يؤتيه اللّه عبدا في كتابه ودينه ، على قدر بصيرة قلبه « 1 » . وقوله « وتثبت الإشارة » . يريد بالإشارة : ما يشير إليه القوم من الأحوال والمنازلات ، والأذواق التي ينكرها الأجنبي من السلوك ، ويثبتها أهل البصائر . وكثير من هذه الأمور ترد على السالك . فإن كان له بصيرة ثبّتت بصيرته ذلك له وحققته عنده . وعرّفته تفاصيله . وإن لم يكن له بصيرة ، بل كان جاهلا ، لم يعرف تفصيل ما يرد عليه . ولم يهتد لتثبيته . قوله « وتنبت الفراسة » . يعني أن البصيرة تنبت في أرض القلب الفراسة الصادقة . وهي نور يقذفه اللّه في القلب ، يفرق به بين الحق والباطل ، والصادق والكاذب . قال اللّه تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ( 75 ) [ الحجر : 75 ] قال مجاهد : للمتفرسين . وفي « الترمذي » من حديث أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « اتقوا فراسة المؤمن . فإنه ينظر بنور اللّه عزّ وجلّ » ثم قرأ : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ( 75 ) [ الحجر : 75 ] . و « التوسّم » تفعّل من السيما . وهي العلامة . فسمي المتفرس متوسما . لأنه يستدل بما يشهد على ما غاب . فيستدل بالعيان على الإيمان . ولهذا خصّ اللّه تعالى بالآيات والانتفاع بها هؤلاء . لأنهم يستدلون بما يشاهدون منها على حقيقة ما أخبرت به الرسل ، من الأمر والنهي ، والثواب والعقاب . وقد ألهم اللّه ذلك لآدم ، وعلمه إياه حين علمه أسماء كل شيء « 2 » . وبنوه هم نسخته وخلفاؤه . فكل قلب فهو قابل لذلك . وهو فيه بالقوة . وبه تقوم الحجة ، وتحصل العبرة ، وتصح الدلالة . وبعث اللّه رسوله مذكّرين ومنبهين ، ومكملين لهذا الاستعداد ، بنور الوحي والإيمان . فينضاف ذلك إلى نور الفراسة والاستعداد . فيصير نورا على نور . فتقوى البصيرة ، ويعظم النور ، ويدوم ، بزيادة مادته ودوامها . ولا يزال في تزايد حتى يرى على الوجه والجوارح ، والكلام والأعمال . ومن لم يقبل هدى اللّه ولم يرفع به رأسا دخل قلبه في الغلاف والأكنّة . فأظلم ،
--> ( 1 ) وهل يكون هذا الفهم في الكتاب إلا بتلاوة الكتاب حق تلاوته وتدبره ببيان الرسول صلى اللّه عليه وسلم والحرص على كسب العلوم والعقائد والشرائع والهدى منه ؟ . ( 2 ) آتاه اللّه ربه من السمع والبصر والفؤاد وغيرها ما عرف به حقائق الأشياء ومزاياها وصفاتها ، ليشكرها بحسن الانتفاع بها ، ووضعها في مواضعها الصالحة لها بأصل الخلق والفطرة لأنها إنما خلقت وسخرت له .